نواصل الحديث عن مفهوم الحرية، ونتناول اليوم التمييز بين الحرية الداخلية والحرية الخارجية، وكيف تتأثر حريتنا بالبرمجة والتربية منذ الطفولة.
أولاً: الحرية الداخلية والحرية الخارجية
- الحرية الداخلية: هي الحرية المرتبطة بعالمك الداخلي الخاص؛ تنبع من أفكارك، مشاعرك، وطاقتك. من خلال هذا العالم الداخلي تحدد أهدافك، نواياك، رغباتك، واهتماماتك. لما تكون إنسان حر داخلياً ، يسهل عليك اختيار الأفضل والأنسب لتركيبتك الفريدة التي ما يفهمها ولا يطبقها ولا يستمتع بها أحد غيرك.
- الحرية الخارجية: هي الحرية الاجتماعية التي تتيح لك تكييف حريتك الداخلية مع البيئة المحيطة بك لتحقيق أهدافك ورغباتك. ومن الطبيعي أن يتضمن هذا التكيف تفهّم متطلبات البيئة، احترام حدودها وقوانينها، والعمل من خلالها لا ضدها.
الشرخ العميق: متى تبدأ المشكلة؟
تبدأ المشكلة عندما يفقد الفرد حريته الداخلية منذ الطفولة، ويتم توجيهه وبرمجته لتجاهل عالمه الداخلي الحر والتركيز فقط على العالم الخارجي على حساب ذاته. هذا التوجيه الخاطئ يحدث شرخين عميقين:
- شرخ داخلي: بين الإنسان وذاته.
- شرخ خارجي: بينه وبين بيئته ومحيطه عندما يكبر.
لغز الطائر الحبيس ودور الضحية
يمكن تشبيه الشرخ الداخلي بطائر ولد داخل قفص؛ اعتاد أن يؤمن له المحيط المأكل والمشرب، لا يعرف كيف يحل مشكلاته بنفسه، ومسؤوليته الوحيدة هي الطاعة وتنفيذ الأوامر.
هذا الإنسان -اللي ما جرب معنى الحرية الحقيقية- حتى لو قُدّمت له الحرية على طبق من ذهب، راح يخاف منها و ما يعرف كيف يتعامل معها.
وفي الوقت نفسه، يعيش هذا الشخص دور الضحية، يلقي بالمسؤولية على أهله ومحيطه طول الوقت، يتذمر منهم، ويصفهم بالنرجسية والأنانية. لما يفقد الإنسان بوصلته الداخلية، يغرق في مشاعر الضحية واللامسؤولية.
استعادة الفطرة وتحمل المسؤولية
قد لا نلوم الشخص على البيئة والبرمجة التي نشأ عليها في صغره، ولكن عندما يبلغ ويصبح راشد ، تصبح مسؤوليته الكاملة أن:
- يفكك هذه البرمجة القديمة.
- ينمي "أجنحته" بالتدريج.
- يتدرب على تحمل المسؤولية وممارسة الحرية.
- يتجاوز عقبات الماضي ويستعيد فطرته السليمة المبنية على الحرية والمسؤولية معاً.
الداخل يجب أن يطابق الخارج
إذا رفض المحيط اختياراتك، فلديك خياران واضحان:
- تحمل مسؤولية قراراتك وحدودك: والبحث عن محيط جديد يؤمن بك، بدلاً من التذمر وخوض حروب داخلية بينما حياتك الخارجية خاضعة تماماً وتفتقر للاستقلال المادي.
- العمل على استقلالك الذاتي أولاً: إذا حاربك المحيط، فإما أن تكون قد كلمتك وتحارب لأجل ذاتك، أو أن تخضع بوعي وتعمل على استقلالك المادي والفكري قبل أن تطالب بالحرية.
تذكر دائماً: الحرية لا تُعطى... بل تُؤخذ!